الجمعة، 9 يناير 2015

شارلي هيبدو : ما وراء الهجوم الدموي

شارلي هيبدو : ما وراء الهجوم الدموي

charlie hebdo


نبيل الريحاني : إعلامي تونسي مقيم في الدوحة
تابعت شيئا من ردود الفعل على هجوم "شارلي هيبدو" خاصة تلك التي استضافتها "بلاتوهات" تلفزية..وقد لاحظت مدى تفاهة وسطحيّة البعض ممن يجتهدون في تقديم أنفسهم كنخب قادرة على التفكير والتفكيك وإعادة تركيب الظواهر..ما تابعته كان حفلات من النفاق المفضوح والاجتزاء الطفولي للحادثة التي اجتهد هؤلاء في قطعها عن سياقها في سبيل الاكتفاء بالحلقة الأخيرة من المسلسل وتحويلها إلى نهاية دراماتيكية لمسلسل هندي يزدحم بالبكاء والمشاعر الفياضة..فمثلا "بلاتو" التونسيّة أنفق كل الوقت وأسهب في الحديث عن حرية التعبير وعن أيادي فريق "شارلي هيبدو" في الدفاع عن الحريات ومناصرة توفيق بن بريك والقضية الفلسطينية، لكن أحدا من الحاضرين لم يذكر المعركة المفتوحة التي خاضتها الجريدة ضد شخصيّة النبي الكريم وضد القرآن العزيز..وفيما جبن الحاضرون عن تسمية الأمور بأسمائها تكفّلت "الشجاعة المقدامة" مي القصوري بالقول إنّ المقدسات لا أحد يدافع عنها وبالتالي لامجال ليقول أحدهم إن عمل الجريدة غير مقبول عندنا أو أنه جرح مشاعرنا أو أن الغيرة على النبي الكريم وعلى القرآن واجب شرعي على كل مسلم تعيينا..أغرق القوم في هذا الخطاب "التزلفي الرّخيص" الذي بدا رسالة اعتذار لفرنسا التي لم تعتذر لليوم عن الملايين الذين "دعوشتهم" في الجزائر وغيرها..ولم تعتذر عن دعمها لدواعش بن علي وهم يزهقون مئات من أبرياء الشعب التونسي إبان الثورة..تعمّد هؤلاء وغيرهم تجنب الحقيقة القائلة إن الإرهاب ظاهرة مركبة معقدة وأن عوامل عدة صنعتها: من رواسب ثقافية إلى تراكمات تاريخية ومنهما إلى نظم قمعية غذت اليأس من الحاضر في نفوس شعوبها فارتمت فئات من تلك الشعوب في أحضان الماضي..ولم تشر تلك التحليلات إلى ما اعترف به ساسة الغرب أنفسهم مثل وزيرة الخراجية السابقة هيلاري كلينتون وفيليب دوفلبان من نفاق الغرب وتورطه في صناعة الإرهاب ورعايته ثم معاملته معاملة أمنية غاب فيها العقل السياسي والديبلوماسي فكانت النتيجة مضاعفة بؤر الإرهاب وتمكينها من دولة قائمة على الأرض بقواتها التي تهدد كل من جاور مساحات نفوذها والحديث في كل هذا لدوفلبان وليس من عندي ...لحظة الهجوم على "شارلي هيبدو" كان يجب في تقديري أن تقرأ من زوايا مختلفة فقط من باب تفسير ما وقع وليس من باب التبرير..سعيا وراء استنتاج وقائي يحفظ لحرية التعبير حدودها الموضوعيّة..ويجنب المجتمعات منابع الاستفزاز والبث المقنع للكراهية بغلاف الحريات المطلقة الذي نعرف جميعا محدوديتها عندما يتعلق بالهولوكوست مثلا لاحصرا. من منطلق الإسلام ذاته يمكن لنا أن ندين استعمال الرصاص إجابة على "الكاكا" المسمّاة "شارلي هيبدو" ولنا الحق في هذا التوصيف مادامت الجريدة أباحت لنفسها أن تضع عنوانا عريضا على صفحتها الأولى كالتالي: "le coran c est de la merde" ندين ذلك لأن ما تنشره الجريدة لا يستحق في الأصل أكثر من تجاهلها وقد تجاهلها العالم فعلا ولم نسمع لها ركزا بعد ثورة الاحتجاجات في أرجاء العالم الإسلامي على الرّسوم المسيئة للنبي الكريم..تلك الموجة التي سقطت فيها أرواح من عامة المسلمين وليس من داعش أو القاعدة أو أي تنظيم ديني متشدد..مع ذلك لم نر دمعة واحدة أريقت بكاء على ضحايا الرّصاص البوليسي الذي قمع تظاهرات سلمية في أكثر من منطقة في العالمين العربي والإسلامي..دون أن ننكر أن بعض الاحتجاجات اتخذت منحى عنيفا مرفوضا.
في كل الأحوال سارت بنا المقاربات السطحية المسيّسة المؤدلجة للنخاع رغم ما ترتديه من أردية الصحافة والفكر والتحليل النزيه، سارت بنا تلك التحليلات إلى مقاربات غاية في السخافة من قبيل عقد "زواج كاثوليكي" بين الإسلام والإرهاب في مزايدة على تصريحات زعامات الغرب نفسها وهي التي تكرر في كل مرة أن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام من حيث هو دين..وتعمدت تلك التحليلات و"البلاتوهات" والقنوات والمنابر الإعلامية تجاهل المقارنة الأخرى التي تفرضها حادثة "شارلي هيبدو" وهي وحدة المجتمع الفرنسي بقواه السياسيّة وأصواته الأهلية والإعلامية في وجه ما اعتبروه هجمة على قيمهم الجمهورية..تجنب محللونا "العظام" المقارنة بين ذلك وبين الحرب الشعواء التي وضف فيها الإرهاب في تونس لتصفية الحسابات السياسية ولتأطير العملية الانتخابية وترويع الناس وإرعابهم..لم نر في فرنسا الاتحادات النقابية أو نقابة الصحافيين تعلن الإضراب العام..لم نر من دعا من بين الأحزاب السياسية حتى أكثرها تطرفا في يمينيته أو يساريته لاستقالة الحكومة..لم نسمع في فرنسا من وصف هولاند بالطرطور..لم نر عندهم من حمل حكام الإيليزيه "المسؤولية السياسية والأخلاقية" بل والمباشرة عن عملية اغتيال فريق "شارلي هيبدو" ..لم يفعل محللونا الأشاوس ذلك وعلا ضجيجهم في البكاء على ضحايا الهجوم..للتغطية على هذه المسافة التي تفصل ساحة سياسية راشدة عن أخرى سيطر عليها أطفال الإيديولوجيا والمغامرون بأوطانهم و"بلطجية" السياسة من المتبنين للخيار الشمشوني "علي وعلى أعدائي" المستعدين لحرق البلاد بما فيها وعلى من فيها فقط لشطب خصومهم السياسيين.
حقا وصدقا هجوم "شارلي هيبدو" مكتنز بنقاط التأمل وبالتعقيدات الخصبة التي تنبت استنتاجات هامّة سيمضي المجتمع الفرنسي ونخبته في مناقشتها بعيدا عن التراشق بتهمة تبييض الإرهاب وتزيينه..بعيدا عن إصدار الأحكام قبل انتهاء التحقيقات أو انعقاد جلسات القضاء..أما نحن فتنتظرنا مرحلة رديئة في ظل هيمنة ثقافة المزايدات والأحكام الإطلاقية والتسييس المتعمّد لكل قضايا الوطن..

0 commentaires:

إرسال تعليق

شكرا على الزيارة و يسعدنا إن تركت تعليق ، و أهلا و سهلا بكم

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More